الهدر المدرسي – اسبابه , انعكاساته , سبل المعالجة

الهدر المدرسي – اسبابه , انعكاساته , سبل المعالجة


مشاركة الموضوع

الهدر المدرسي – اسبابه , انعكاساته , سبل المعالجة

مع بداية الثمانينات بدأت حصيلة المنظومة التربوية في التراجع لتدخل بذلك في ازمة , وقد شكل الهدر المدرسي احد مؤشراتها مما استدعى اجماعا للقوى الحية في البلاد قصد وضع مقاربة جديدة تعالج المسألة التعليمية في شموليتها. و هكذا اصبحت ظاهرة الهدر المدرسي بمختلف  اشكالها قضية مجتمع باكمله و تطلب الامر تشخيص الحالةللوقوف على اسبابها و رصد انعكاساتها قصد اعتماد استراتيجية واضحة لمعالجتها.

وانسجاما مع الموضوع نتساءل عن العوامل المساهمة في الهدر المدرسي.

يرتبط الهدر المدرسي بخلل يشوب الفعل التعليمي التعلمي و تتداخل فيه العوامل السوسيواقتصادية و النفسية المؤثرة في شخصية المتعلم و يرتبط بتلك الارغامات دور المدرسة و البرامج و المناهج…

فالعامل الاقتصادي يساهم في تدني المستوى , ذلك ان الخصاص المادي ( الحاجيات الضرورية كالغذاء و نوع السكن ) يضعف من قدرة المتعلم على المسايرة و يقلل من فرص النجاح , و على المستوى الاجتماعي تلعب البنية الاسرية دورا مؤثرا يتجلى في ضعف المستوى الدراسي بالنسبة لفئة معينة و بالتالي يعجل بانقطاعها عن الدراسة . فتضارب العلاقات الاجتماعية بين الابوين , “ان يمارس الاب سلطة مطلقة و تتامر الام مع الطفل ” الى جانب امية الابوين او انفصالهما تعتبر من العوامل المشوشة على المتعلم و تراجع قدرته على الاستيعاب . و في هذا السياق نبهت اليونسكو الى الاثر السلبي الذي تخلفه امية الاباء و المتمثل في تدني المستوى و الفشل الدراسي.

و بموازاة مع دور العوامل الاقتصادية و الاجتماعية يشكل الفضاء التربوي للمؤسسة عاملا محفزا على قوة او ضعف ارتباط التلاميذ بالمؤسسة ذلك ان فضاء المؤسسة يتميز بتعدد المكونات التفاعل و التكامل بينها, و اي تنافر بين هذه المكونات البشرية ( استاذ , ادارة , تلميذ , مجالس المؤسسة , جمعية الاباء ) من شانه دفع التلميذ الى النفور من المؤسسة  و بالتالي اضعاف تلك الحميمية المفترضة بين المتعلم و المؤسسة التعليمية و بالتالي مغادرتها . وهكذا نلاحظ ان فضاء المؤسسة يفرض نفسه داخل المنظومة التربوية على اعتبار انها شرط ضروري لتحقيق التوازن و التكامل بين الفعل التعليمي و الفعل التربوي , فمهما تغيرت المقررات الدراسية و تنوعت الوسائل و الطرائق التعليمية , فان العزوف عن الدراسة و النفور من المحيط المدرسي و بالتالي الهدر المدرسي. شكلت احد مظاهر الوضع المتأزم للمجال التربوي . و للوقوف على مظاهر الخلل التي يشكو منها الفضاء المدرسي نسجل ما يلي :

  • فقدان الدينامية في الفضاء المدرسي و ذلك من خلال تدهور الحالة المادية للمؤسسة.
  • وضعية الاقسام : غياب قاعات مخصصة للأنشطة الموازية و احيانا غياب المجال المناسب لممارسة الانشطة الرياضية و افتقار عدة مؤسسات للمكتبات المدرسية و التجهيزات التكنولوجية الحديثة مع عدم توفر المؤسسة على منشطين يسهرون على تقديم المساعدات للمتعلمين و ذلك على نحو يشعره بالقبول و التقدير من طرف الاخرين.
  • كثرة المواد الدراسية بدورها تنهك قوى لامتعلم الذي يبقي اهتمامه منصبا على اكتساب اكبر قدر من المعارف على حساب المهارات التي تؤهله لمواجهة القضايا الاشكالية التي تواجهه. و الدراسي من شان هذا الخلل تفاقم حالات التخلف الدراسي و اعتبار المدرسة اداة عاجزة على الاستجابة لحاجيات المتعلمين.
  • ظاهرة الاكتظاظ داخل المؤسسة التعليمية لا تساعد على تبني البيداغوجيات الحديثة و تفرض على المدرسين اعتماد الممارسات التقليدية دون احترام للفروقات الفردية.
  • ضعف اداء مجالس المؤسسات : يستنتج من خلال واقع المؤسسات ان المجالس افرغت من محتواها و ذلك على مستوى التطوع لاغناء الفضاء الثقافي و الترفيهي و الرياضي للمؤسسة للاسهام في تحفيز المتعلمين و تجاوز الروتين وهو ما نبهت له الوزارة الوصية حيث اقدمت على تحديد المهام المنوطة بتلك المجالس و ذلك سعيا لتفعيل دورها كمكون اساسي من مكونات المؤسسة التعليمية.
  • ضعف التواصل بين الاسرة و المؤسسة كان يرى المدرسون في زيارة الاباء و اولياء الامور تدخلا في شانهم او يلقي الاباء بكل المسؤولية على المدرسة . و هذا التفكك او القطيعة يتعارض مع الاهداف التربوية المنشودة و يتسبب في ازمة تعاون و تواصل و بطبيعة الحال يكون المتعلم هو الضحية . ولتجاوز هذه الاكراهات يعول على جمعية الاباء و اولياء التلاميذ و انفتاح المؤسسة على محيطها وفق التصور الذي وضعه الميثاق الوطني للتربية و التكوين.
  • طبيعة التواصل بين الاستاذ التلميذ : من المظاهر السلبية التي تؤثر سلبا على اداء بعض المدرسين تمسكهم باحتكار سلطة المعرفة و التسيير و اقصاء دور المتعلم و اعتماد طرائق تقليدية تتعارض مع خصوصية و اهتمامات الفئة المستهدفة مما يدفع بالمتعلم الى غيلب مستمر او متقطع عن بعض الدروس او محاولة التمرد على سلطة الاستاذ كبداية غير مشجعة تنتهي بالانقطاع عن الدراسة.

انعكاسات ظاهرة الهدر المدرسي :
اذا استحضرنا  الاهمية التي يحظى بها قطاع التربية و التكوين على التوظيفات المادية و البشرية فان النتائج المترتبة عن تلك الاستثمارات تبقى مؤشرا اساسيا للحكم على الجدوى من تلك النفقات , ذلك ان نجاح المنظومة التعليمية يتحقق من خلال بناء الانسان  القادر على الانتاج و الابداع وايجاد الحلول للمسائل الاشكالي التي تعترضه. غير ان ضعف اداء المنظومة التربوية و ما رافقها من تدني المستوى و الهدر المدرسي يحرم الامة من المشاركة الجماعية في البناء و يقصي فئة من السكان من تلك المساهمة . فإذا استحضرنا معدل الامية في المغرب و ضعف الحاصلين على درجة عليا من المعرفة وارتفاع نسبة المنقطعين عن الدراسة قبل امتلاكهم للكفايات المعرفية و المهارية و الوجدانية المطلوبة لبناء شخصية متكاملة قادرة على الاسهام في تحقيق تنمية مبنية على اسس عصرية ,يتجلى لنا حجم الاكراهات التي تواجه التنمية البشرية في بلادنا.

ولتجاوز المترتبة عن الهدر المدرسي و حتى لا تتحول فئة من ابناء المجتمع الى ثروة بشرية معطلة اصبح اصلاح المنظومة التربوية خيارا استراتيجيا مشتركا يتوخى تجاوز التعثرات عبر مسارات مختلفة جسدها الميثاق الوطني للتربية و التكوين من جهة و مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من جهة ثانية و مذكرات وزارية تحث على ارجاع الموقوفين من جهة ثالثة.

  • شكل الميثاق الوطني للتربية و التكوين مشروعا مجتمعيا لاصلاح منظومتنا عبر مقاربة جديدة تعالج المسالة التعليمية في شموليتها و تضع المتعلم في قلب الاهتمام و التفكير و الفعل و تعتبر جودة التعليم وانفتاح المؤسسة التعليمية على محيطها و اشراك الفاعلين خيارا استراتيجيا لبلوغ الاهداف المسطرة خلال عشرية وطنية.( 2000- 2009 ) وذلك عبر مجموعة من المداخلات:
  • اعتمد الاصلاح مدخل الكفايات لضمان تكيف افضل للمتعلم مع محيطه و جعله محور العملية التعليمية التعلمية و ذلك على نحو يستحضر مكونات شخصية المتعلم وقدراته .
  • وعلى هذا الاساس حدد الميثاق مبادئ لوضع برامج تتميز بالتخفيف و التبسيط و المرونة و التكيف. وتراعي المواقف و الوضعيات الاشكالية التي يفرضها المحيط الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي. وقد استدعى عامل الفروق الفردية اعتماد كفايات دنيا تستهدف الفئات الاقل قدرة على المسايرة و المعرضين اكثر من غيرهم للانقطاع عن الدراسة و كفايات عليا للنوابغ حتي لا تعطل قدرتهم على التطور السريع. و بالتالي النفور من المؤسسة التعليمية . وفي اعتقادي تشكل هذه المقاربة خيارا اساسيا لضمان المساواة في الحظوظ و تجنيب فئة من المتعلمين من السقوط في خالة الاقصاء التي تطال التلاميذ الاقل قدرة على الاستيعاب او ذوي الحاجات الخاصة وفي سياق المعالجة الشمولية ذاتها تضمنت دعامات الميثاق الوطني تصورا يؤسس لتعميم تعليم جيد اكثر ملاءمة مع المحيط عبر اصلاح نظام التقويم و الامتحانات و استعمال التكنولوجيات الجديدة للإعلام و التواصل و اتقان تكوين الموارد البشرية عبر التكوين المستمر لفائدة هيئة التربية و التكوين وذلك على خلفية تجعل مصلحة المتعلم فوق اي اعتبار.

غير ان معالجة ظاهرة الهدر المدرسي بأشكالها المختلفة لا تتحقق إلا من خلال استحضار الابعاد الاقتصادية و الاجتماعية ايضا و هكذا شكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مسلكا ضروريا للتخفيف من الارغامات التي يصطدم بها الحقل التعليمي في بلادنا و ذلك عبر تدبير عقلاني للموارد البشرية يتوخى التصدي للعجز الاجتماعي و يحارب التهميش و الاقصاء لتقليص الفوارق الاجتماعية و يشجع الانشطة المدرة للدخل , اذ من شان هذه الاجراءات توفير شروط سليمة تضمن تعليما افضل و في سياق البحث المتواصل لمعالجة مشكلة الهدر المدرسي , اصدرت وزارة التربية الوطنية المذكرة الاطار واتبعتها بمذكرات حول موضوع ارجاع المفصولين و المنقطعين عن الدراسة سعيا و راء تثبيت المكتسبات في مجال تعميم التمدرس لبلوغ الاهداف المنشودة خلال عشرية الاصلاح و ذلك رغبة من للوزارة في محاربة الهدر المدرسي.

مدير موقع تربية الاجيال



قد تهمك هذه المواضيع :

اترك تعليقاً